ما حصل في 3 كانون الأول 2008 في دمشق لم يكن "يوماً تاريخياً" بل يوم التنكّر للتاريخ
الشيخ بشارة الخوري ( في افتتاح مؤتمر الاونيسكو في بيروت وتدشين مبنى الاونيسكو في 8 تشرين الثاني 1948)
هل كان 3 كانون الأول 2008 "يوماً تاريخياً" بين لبنان وسوريا¿
وهل أصاب العماد ميشال عون في تلبيته دعوة الرئيس بشار الأسد إليه لزيارة سوريا في التاريخ الذي حدده هو¡ اي الرئيس السوري¡ ولم يستطع عون رفضها أو طلب تأجيلها بداعي ان الظروف التي تمر بلبنان غير مؤاتية¿
ثم من يربح¡ ومن يخسر في مثل هذا "اليوم التاريخي"¿
الواقع ان ما حصل في 3 كانون الأول 2008 في دمشق لم يكن "يوماً تاريخياً" بل يوم التنكّر للتاريخ الذي كانت ابرز محطاته 14 شباط 2005¡ اليوم الذي اقتحمت فيه الفاجعة التاريخ اللبناني المعاصر باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والتي امتد منجلها ليحصد كوكبة من شهداء "ثورة الأرز" التي يفخر العماد ميشال عون بأنه كان أول من أضاء شعلتها في وجه نظام الوصاية السوري في 14 آذار 1989.
لذلك كان اول من أمس قفزة في المجهول¡ نخشى أن تزيد المآسي التي حلت بلبنان خلال السنوات الأربع الماضية.
ثم من رأى في المظاهر الاستعراضية التي تضمنها التكريم الذي حظى به العماد عون في سوريا¡ من إرسال الرئيس بشار الأسد الطائرة الرئاسية لنقله من بيروت إلى دمشق¡ ثم السجادة الحمراء التي مُدّت له والاستقبال الكبير الذي خصه به الرئيس السوري في القصر الجمهوري¡ أنها كانت رداً على التقرير الحادي عشر - وقد يكون ما قبل الأخير السابق للادعاء - لرئيس لجنة التحقيق الدولية دانيال بلمار في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وبقية الجرائم التي استهدفت مناضلي "ثورة الأرز" والتي يتهم كثيرون في لبنان والخارج سوريين كباراً بالضلوع فيها او الوقوف وراءها¡ على أساس أن المحكمة الدولية الخاصة ستباشر أعمالها في لاهاي في الأول من آذار 2009 . وكان مفترضاً في العماد عون ان يعطي هذا الأمر اهميته¡ فيعتذر عن القبول بموعد الزيارة الذي حددته دمشق من طرف واحد¡ مفترضين حسن النية لدى الجنرال.
وقبل ذلك كله¡ كان عليه رفض زيارة دمشق¡ سواء للمصالحة أو لفتح صفحة جديدة¡ أو لإجراء عملية "قلب مفتوح" في يوم صدور التقرير من جهة¡ حتى لا تعتبر الزيارة كأنها ردّ على مضمون التقرير الذي لم يسمّ إلى الآن أي مسؤول سوري متورطاً في مقتل الحريري وسائر الإغتيالات¡ بل أوحى أن مسيرة الوصول إلى الحقيقة والضالعين في الجريمة قد تكون طويلة...
ومن جهة أخرى حتى لا يكون الجنرال اداة في معركة يُفترض ان يقف فيها الى جانب الضحية لا الى جانب أي طرف آخر في قضية وطنية ومشرّفة بامتياز.
اذ ليس من العقل ولا من القلب¡ العبارتين اللتين قيل ان العماد عون تكلم بهما مع الرئيس الأسد¡ أن يزور قائد "حرب التحرير" الذي تحول "ايقونة وطنية" طوال سنوات المنفى الخمس عشرة¡ أركان النظام الذين يتهم أكثر من نصف الشعب اللبناني - حقاً أو زوراً تفصل فيهما المحكمة الدولية – عدداً غير قليل منهم بأن أيديهم ملطخة بدماء الحريري ورفاقه وسائر شهداء "ثورة الأرز".
وكان حرياً بالعماد عون أن ينتظر صدور القرار الاتهامي في القضية¡ حتى اذا برأ ساحة المسؤولين السوريين الكبار¡ السياسيين والأمنيين¡ توجّه إلى دمشق في الموعد الذي يختاره هو¡ لا الذي تحدده له القيادة السورية¡ من دون حاجة إلى طائرة رئاسية. فعون ليس رئيس دولة¡ ولا بطل تحرير الجولان حتى يُعطى كل هذا الامتياز ويصدّق هو انه تكريم له. وقد خاض اشرس المعارك ضد سوريا في لبنان وخارجه.
علماً أن ما ظهر إلى الآن¡ وخصوصاً في موضوع اللبنانيين المفقودين والسجناء في الزنزانات والدهاليز السورية¡ يفيد ان عون لن يعود بأي مفقود أو سجين¡ متكلا على اللجان التي ستتكفل بدفن القضية بكاملها¡ في حين ان سوريا ستربح جمهوراً مسيحياً كبيراً نسبياً كان معادياً لها¡ ولا يزال صوته يتردد في أجوائها "السوري عدوك" و"سوريا برا". كما يتذكر جنودها الذين كانوا في لبنان قبل الجلاء عنه في 26 نيسان 2005 المساحات التي غطّوها بالدهان الأسود طمساً لشعارات العونيين على جدران بيروت والمناطق¡ بالتعاون مع أجهزة الأمن اللبنانية التي كانت تأتمر بالأوامر السورية.
كذلك لن يفيد عون البرنامج المسيحي الذي أُعد له في سوريا باعتباره "زعيم مسيحيي الشرق"¡ كما لن يجعله "سوبر بطريرك" على إنطاكية وسائر المشرق. بل قد ينقّص شعبيته المسيحية - وثمة آلات كثيرة تعمل ضده في الوسط المسيحي المدني والكنسي – وخصوصاً جراء إعلانه في دمشق أن هناك لبنانيين يجب أن يعتذروا منه اولاً¡ قبل ان يطلب هو اعتذاراً لبنانياً من دمشق!
إلا أن كل ذلك لا يعني أن العماد ميشال عون ليس فرحاً ومزهواً بـ"الانتصار" الذي حققه بدخوله سوريا دخول الابطال¡ واستقباله فيها استقبال الرؤساء¡ بل اكثر.
وهناك مسيحيون مناصرون لعون¡ وحلفاء له من غير المسيحيين¡ لا يكتمون فرحهم بالمصالحة بين عون والنظام السوري الذي خاصمه وحاربه ذات يوم¡ وجاء يوم آخر فاصل وضعه فيه في مقام "العظماء".
ولا يُسقط عون من حسابه¡ وهو الحيسوب الاستراتيجي¡ ان "غزوة دمشق" ستزيد الانقسام في الصف اللبناني عموماً¡ وتوسّع الصدع في الوسط المسيحي¡ كما تحول دون قيام مصالحة مسيحية – مسيحية في المدى المنظور¡ أقله قبل الانتخابات النيابية في آيار اذا جرت.
يبقى السؤال الكبير: من أوصل عون الى الحرب مع سوريا ثم المصالحة معها¡ في مرحلة بالغة التعقيد تمتد من 1976 عام دخول سوريا الى لبنان¡ حتى خروجها منه في نيسان 2005¡ وصولاً الى دخول عون قصر الشعب السوري في 3 كانون 2008 "خصماً شريفاً" بل "بطلاً حقيقياً" للتحرير¿
كانت مشكلة عون على الدوام مزدوجة: مع حلفاء سوريا والمتعاونين معها في الداخل اللبناني أيام الوصاية¡ ومع حلفائها الخارجيين في تلك المرحلة ومع أخصامها في ما بعد.
وكان عون استشعر مرارة عميقة عندما أعلن "حرب التحرير" ضد الوجود السوري في لبنان¡ نظراً إلى عدم تعاطف الفريق المسلم معه وهو الفريق نفسه الذي خاض نضالات "ثورة الأرز" ضد التمديد للرئيس اميل لحود ثم لإخراج الجيش السوري من لبنان اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ويؤكد عون ان عدم التعاطف هذا مرده إلى نصائح أميركية بعدم ارتكاب "خطأ" محاولة إخراج سوريا من لبنان.
واليوم: ماذا بعد زيارة العماد ميشال عون لسوريا¿
رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط سُئل في مجلس خاص: "لماذا لم تعامل قوى 14 آذار العماد عون بما يستحق لدى عودته من المنفى "بطلاً"¡ فتستقبله في المطار وتواكبه إلى ساحة الشهداء وتحتفل بعودته وتحتضنه¡ بدل التنكر لنضالاته¡ والتشكيك في وطنيته¿"
فأجاب جنبلاط: "معكم حق. ربما أخطأنا في حق الجنرال".
والآن¡ هل ثمة مجال لتصحيح الخطأ¡ أم أن الفريقين أصبحا في طريق اللا عودة¿
كثيرون يجيبون: ثمة مجال للرجوع عن الخطأ متى صفت النيات¡ وإدرك الجميع مصلحة الوطن¡ واظهروا استعداداً للتضحية بالمصالح الفردية والحزبية.
فهل تتحقق المعجزة¿
هل كان 3 كانون الأول 2008 "يوماً تاريخياً" بين لبنان وسوريا¿
وهل أصاب العماد ميشال عون في تلبيته دعوة الرئيس بشار الأسد إليه لزيارة سوريا في التاريخ الذي حدده هو¡ اي الرئيس السوري¡ ولم يستطع عون رفضها أو طلب تأجيلها بداعي ان الظروف التي تمر بلبنان غير مؤاتية¿
ثم من يربح¡ ومن يخسر في مثل هذا "اليوم التاريخي"¿
الواقع ان ما حصل في 3 كانون الأول 2008 في دمشق لم يكن "يوماً تاريخياً" بل يوم التنكّر للتاريخ الذي كانت ابرز محطاته 14 شباط 2005¡ اليوم الذي اقتحمت فيه الفاجعة التاريخ اللبناني المعاصر باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والتي امتد منجلها ليحصد كوكبة من شهداء "ثورة الأرز" التي يفخر العماد ميشال عون بأنه كان أول من أضاء شعلتها في وجه نظام الوصاية السوري في 14 آذار 1989.
لذلك كان اول من أمس قفزة في المجهول¡ نخشى أن تزيد المآسي التي حلت بلبنان خلال السنوات الأربع الماضية.
ثم من رأى في المظاهر الاستعراضية التي تضمنها التكريم الذي حظى به العماد عون في سوريا¡ من إرسال الرئيس بشار الأسد الطائرة الرئاسية لنقله من بيروت إلى دمشق¡ ثم السجادة الحمراء التي مُدّت له والاستقبال الكبير الذي خصه به الرئيس السوري في القصر الجمهوري¡ أنها كانت رداً على التقرير الحادي عشر - وقد يكون ما قبل الأخير السابق للادعاء - لرئيس لجنة التحقيق الدولية دانيال بلمار في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وبقية الجرائم التي استهدفت مناضلي "ثورة الأرز" والتي يتهم كثيرون في لبنان والخارج سوريين كباراً بالضلوع فيها او الوقوف وراءها¡ على أساس أن المحكمة الدولية الخاصة ستباشر أعمالها في لاهاي في الأول من آذار 2009 . وكان مفترضاً في العماد عون ان يعطي هذا الأمر اهميته¡ فيعتذر عن القبول بموعد الزيارة الذي حددته دمشق من طرف واحد¡ مفترضين حسن النية لدى الجنرال.
وقبل ذلك كله¡ كان عليه رفض زيارة دمشق¡ سواء للمصالحة أو لفتح صفحة جديدة¡ أو لإجراء عملية "قلب مفتوح" في يوم صدور التقرير من جهة¡ حتى لا تعتبر الزيارة كأنها ردّ على مضمون التقرير الذي لم يسمّ إلى الآن أي مسؤول سوري متورطاً في مقتل الحريري وسائر الإغتيالات¡ بل أوحى أن مسيرة الوصول إلى الحقيقة والضالعين في الجريمة قد تكون طويلة...
ومن جهة أخرى حتى لا يكون الجنرال اداة في معركة يُفترض ان يقف فيها الى جانب الضحية لا الى جانب أي طرف آخر في قضية وطنية ومشرّفة بامتياز.
اذ ليس من العقل ولا من القلب¡ العبارتين اللتين قيل ان العماد عون تكلم بهما مع الرئيس الأسد¡ أن يزور قائد "حرب التحرير" الذي تحول "ايقونة وطنية" طوال سنوات المنفى الخمس عشرة¡ أركان النظام الذين يتهم أكثر من نصف الشعب اللبناني - حقاً أو زوراً تفصل فيهما المحكمة الدولية – عدداً غير قليل منهم بأن أيديهم ملطخة بدماء الحريري ورفاقه وسائر شهداء "ثورة الأرز".
وكان حرياً بالعماد عون أن ينتظر صدور القرار الاتهامي في القضية¡ حتى اذا برأ ساحة المسؤولين السوريين الكبار¡ السياسيين والأمنيين¡ توجّه إلى دمشق في الموعد الذي يختاره هو¡ لا الذي تحدده له القيادة السورية¡ من دون حاجة إلى طائرة رئاسية. فعون ليس رئيس دولة¡ ولا بطل تحرير الجولان حتى يُعطى كل هذا الامتياز ويصدّق هو انه تكريم له. وقد خاض اشرس المعارك ضد سوريا في لبنان وخارجه.
علماً أن ما ظهر إلى الآن¡ وخصوصاً في موضوع اللبنانيين المفقودين والسجناء في الزنزانات والدهاليز السورية¡ يفيد ان عون لن يعود بأي مفقود أو سجين¡ متكلا على اللجان التي ستتكفل بدفن القضية بكاملها¡ في حين ان سوريا ستربح جمهوراً مسيحياً كبيراً نسبياً كان معادياً لها¡ ولا يزال صوته يتردد في أجوائها "السوري عدوك" و"سوريا برا". كما يتذكر جنودها الذين كانوا في لبنان قبل الجلاء عنه في 26 نيسان 2005 المساحات التي غطّوها بالدهان الأسود طمساً لشعارات العونيين على جدران بيروت والمناطق¡ بالتعاون مع أجهزة الأمن اللبنانية التي كانت تأتمر بالأوامر السورية.
كذلك لن يفيد عون البرنامج المسيحي الذي أُعد له في سوريا باعتباره "زعيم مسيحيي الشرق"¡ كما لن يجعله "سوبر بطريرك" على إنطاكية وسائر المشرق. بل قد ينقّص شعبيته المسيحية - وثمة آلات كثيرة تعمل ضده في الوسط المسيحي المدني والكنسي – وخصوصاً جراء إعلانه في دمشق أن هناك لبنانيين يجب أن يعتذروا منه اولاً¡ قبل ان يطلب هو اعتذاراً لبنانياً من دمشق!
إلا أن كل ذلك لا يعني أن العماد ميشال عون ليس فرحاً ومزهواً بـ"الانتصار" الذي حققه بدخوله سوريا دخول الابطال¡ واستقباله فيها استقبال الرؤساء¡ بل اكثر.
وهناك مسيحيون مناصرون لعون¡ وحلفاء له من غير المسيحيين¡ لا يكتمون فرحهم بالمصالحة بين عون والنظام السوري الذي خاصمه وحاربه ذات يوم¡ وجاء يوم آخر فاصل وضعه فيه في مقام "العظماء".
ولا يُسقط عون من حسابه¡ وهو الحيسوب الاستراتيجي¡ ان "غزوة دمشق" ستزيد الانقسام في الصف اللبناني عموماً¡ وتوسّع الصدع في الوسط المسيحي¡ كما تحول دون قيام مصالحة مسيحية – مسيحية في المدى المنظور¡ أقله قبل الانتخابات النيابية في آيار اذا جرت.
يبقى السؤال الكبير: من أوصل عون الى الحرب مع سوريا ثم المصالحة معها¡ في مرحلة بالغة التعقيد تمتد من 1976 عام دخول سوريا الى لبنان¡ حتى خروجها منه في نيسان 2005¡ وصولاً الى دخول عون قصر الشعب السوري في 3 كانون 2008 "خصماً شريفاً" بل "بطلاً حقيقياً" للتحرير¿
كانت مشكلة عون على الدوام مزدوجة: مع حلفاء سوريا والمتعاونين معها في الداخل اللبناني أيام الوصاية¡ ومع حلفائها الخارجيين في تلك المرحلة ومع أخصامها في ما بعد.
وكان عون استشعر مرارة عميقة عندما أعلن "حرب التحرير" ضد الوجود السوري في لبنان¡ نظراً إلى عدم تعاطف الفريق المسلم معه وهو الفريق نفسه الذي خاض نضالات "ثورة الأرز" ضد التمديد للرئيس اميل لحود ثم لإخراج الجيش السوري من لبنان اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ويؤكد عون ان عدم التعاطف هذا مرده إلى نصائح أميركية بعدم ارتكاب "خطأ" محاولة إخراج سوريا من لبنان.
واليوم: ماذا بعد زيارة العماد ميشال عون لسوريا¿
رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط سُئل في مجلس خاص: "لماذا لم تعامل قوى 14 آذار العماد عون بما يستحق لدى عودته من المنفى "بطلاً"¡ فتستقبله في المطار وتواكبه إلى ساحة الشهداء وتحتفل بعودته وتحتضنه¡ بدل التنكر لنضالاته¡ والتشكيك في وطنيته¿"
فأجاب جنبلاط: "معكم حق. ربما أخطأنا في حق الجنرال".
والآن¡ هل ثمة مجال لتصحيح الخطأ¡ أم أن الفريقين أصبحا في طريق اللا عودة¿
كثيرون يجيبون: ثمة مجال للرجوع عن الخطأ متى صفت النيات¡ وإدرك الجميع مصلحة الوطن¡ واظهروا استعداداً للتضحية بالمصالح الفردية والحزبية.
فهل تتحقق المعجزة¿
Posted on 06 Dec 2008 by Administration



