لكي نستحق شرف الإنتماء إلى لبنان (إتيان صقر (أبو أرز
الدرس الأول: في الأمة والهوية.
علينا بادىء ذي بدء ان نؤمن بقوميتنا اللبنانية¡ أي بان الشعب اللبناني المُقيم منذ آلاف السنين على هذه الرقعة الجغرافية المسمّاة لبنان قد شكّل عِبر الأزمنة أمّةً واحدة كاملة الأوصاف والمعالم والخصائص¡ وغير قابلة للفرز أو التقسيم أو الذوبان في غيرها من الأمم.
والإيمان بالقومية اللبنانية يقودنا إلى الإعتراف بهوية لبنان اللبنانية الرافضة لأي نعوت خارجية غريبة عن أصالتها التاريخية. وهذا لا يعني أبداً الدعوة إلى التقوقع والإنعزال كما يعتقد البعض¡ بل الإنفتاح الإيجابي على جميع الشعوب المجاورة والبعيدة تبعاً لرسالة لبنان التاريخية¡ ولكن من ضمن الحفاظ على مصلحة لبنان العليا وقوميتنا الذاتية وهويتنا المميزة.
الدرس الثاني: في الجغرافية والتاريخ.
ان سلسلتي الجبال الغربية والشرقية الممتدتين بشكل متوازٍٍ من أقصى الشمال اللبناني إلى أقصى الجنوب ومن دون أي إنقطاع¡ قد فصلتا لبنان جغرافياً عن الصحراء¡ وحمتا ظهره من الغزوات الصحراوية المتتالية التي تعرّض لها عبر التاريخ (جواد بولس).
وإذا ما نظرنا إلى خريطة لبنان الديموغرافية نجد أن معظم القرى والبلدات اللبنانية قد إنتشرت منذ القِدَم على سفوح سلسلة الجبال الغربية المطلّة على البحر الأبيض المتوسط¡ ما يعني ان وجهة لبنان الطبيعية وواجهته هما هذا البحر الذي شكّل تاريخياً المدى الحيوي لشعبنا¡ وكان دائماً بمثابة الرئة التي يتنفّس منها الجسم اللبناني¡ ويعني أيضاً ان قرب المسافة بين الساحل والجبل خلق حلفاً بينهما شكّل الركيزة الأساسية التي قام عليها لبنان (جواد بولس). ويعني أيضاً وأيضاً ان الساحل قد وهب اللبنانيين روح المغامرة والإنفتاح وحُبّ الأسفار والبراعة في فنون التجارةº والجبل وهبهم روح الصلابة والمناعة والصمود. اما سكان البلدات والقرى المنتشرة في البقاع الواقع ما بين السلسلتين¡ فقد إستمدّوا من سهله الواسع والخصب روح الكَرَم والسخاء والتعلق بالأرض فاتقنوا فنون الزراعة على أنواعها حتى قيل ان سهل البقاع كان يغذي ذات يوم إهراءات روما بالقمح.
وعلى ضفاف البحر المتوسط بنى أجدادنا امبراطورية عظيمة دامت حوالي خمسماية سنة قامت على نشر السلام والعِلم والديمقراطية والتبادل التجاري وليس بحدّ السيف كسائر الإمبراطوريات¡ مِمّا يدل على ان الشعب اللبناني كان وما يزال صاحب رسالة حضارية يكره العنف ويأبى الحروب ولا يخوضها إلا مرغماً وفي حالات الدفاع عن النفس.
لقد وصلت سفن الإمبراطورية اللبنانية ـ الفينيقية إلى شواطىء أميركا الشمالية والجنوبية مروراً بافريقيا وأوروبا (أنطوان الخوري حرب ـ الإنتشار اللبناني)¡ ونقلت حضارتها إلى شعوب العالم وبخاصةٍ إلى شعوب البحر الأبيض المتوسط¡ وبالأخصّ إلى الشعب الإغريقي الذي نقلها في ما بعد إلى روما ومنها إلى عالم الغرب.
وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى حقيقتين: الأولى¡ ان الفضل الأول في ازدهار الحضارة اليونانية يعود إلى التلقيح الثقافي الذي تلقاه الشعب اليوناني على يد الفينيقيين. والثانية¡ ان غالبية عظماء تلك الحقبة أمثال بيتاغور وبورفيروس وموخوس واقليدس وطاليس وزينون وغيرهم هم من ذوي الأصول الفينيقية¡ منهم من ولد في لبنان أو عاش في ربوعه أو تعلم في معاهده¡ فلا بُدّ إذاً من تصحيح الخطأ الشائع القائل بانهم إغريق وبأن الحضارة الغربية أساسها إغريقية¡ وبالتالي العمل على إسترجاع تراثنا السائب والمسلوب منذ مئات السنين¡ ولدينا في هذا المجال القرائن الدامغة لإثبات هاتين الحقيقتين.
وبعد إنكفاء الإمبراطورية الفينيقية قامت إمبراطورية قرطاجة التي أسستها اليسّا أو اليسار ابنة ملك صور¡ فنَمَت وكبرت وتعاظم شأنها في ايام هملقار برقا وابنه هنيبعل الكبير¡ وامتدّت من شواطىء تونس الحالية إلى قرطاجنّة أو قرطاجة الحديثة CARTAGO NOVA (إسبانيا حالياً)¡ ومنها إنطلق هنيبعل إلى بلاد الغال (فرنسا) لمحاصرة روما بعد ان إجتاز جبال الألب... وقد اكملت هذه الإمبراطورية الرسالة التي بدأتها الإمبراطورية الأم وخاصةً في مجال التجارة والملاحة البحرية وعلوم الزراعة وفنون القتال التي ما تزال تدرّس حتى اليوم في أرقى المعاهد الحربية (جورج مصروعة). وإذا كانت قرطاجة (تونس) ابنة صور¡ فقرطاجنّة (إسبانيا) هي حفيدتها¡ وإذا ما سألت أهل مدينة فالنسيا الإسبانية الواقعة على شاطىء البحر المتوسط مباشرةً قبالة الشاطىء اللبناني عن أصلهم يجيبُك العارفون منهم: نحن فنيقيون¡ من دون ان ننسى مدينة قرطاجنة CARTAGENA الحالية الواقعة على الشاطىء نفسه.
الدرس الثالث: في تكوين الأمة اللبنانية
نبدأ بالقول ان الإنسان هو ابن الأرض¡ أي ابن البيئة الجغرافية التي يعيش عليها وعاش عليها من قبله آباؤه وأجداده¡ وان طبيعة الأرض لها التأثير الأكبر على طبيعة الإنسان وطبائعه. فالإنسان اللبناني هو غير الإنسان الإفريقي أو الصيني أو السكندنافي أو الصحراوي¡ ويختلف عنهم بشكله وطبعه وتقاليده وعاداته...
وكل شعب يعيش في بيئة جغرافية معيّنة يكوّن مع الوقت قوميته الخاصة وتاريخه الخاص مع كل ما يحويه هذا التاريخ من تراث وعادات وتقاليد وخصائص تميّزه عن غيره من الشعوب¡ وتبعاً لهذا الواقع يقول جواد بولس: التاريخ ابن الجغرافية.
غير ان هذا الواقع لا يعني ان ثمّة أمّة صافية العِرق على وجه الأرض¡ إذ ان الحروب والفتوحات والغزوات والنزوحات البشرية من دولةٍ إلى أخرى لم تبقِ على أعراق صافية بل أضافت إلى الشعوب الأصلية مجموعاتٍ أخرى إمتزجت مع الوقت بعضها مع بعض وتفاعلت وإنصهرت ضمن بوتقة جغرافية واحدة¡ وشكّلت في نهاية المطاف قومية واحدة وتاريخاً مشتركاً واحداً. والدليل الساطع على هذا هو الأمّة الأميركية التي نشأت حديثاً في الولايات المتحدة الأميركية بفعل المزيج الذي حصل بين شعوب متنوعة الأصول والأعراق انصهرت في ما بينها وكوّنت خلال أقل من ثلاثماية سنة أمّةً عظيمة تمثل النموذج الحديث لنشوء الأمم¡ وهذا النموذج يثبت أيضاً ان التلاقح بين الشعوب الغريبة هو مصدر غنى حضاري للأمم عكس ما يعتقد البعض.
ولكي لا نذهب بعيداً نقول بان الأمير فخر الدين الثاني الكبير الذي أسس دولة لبنان الحديث ومدّ سلطانها من حلب إلى ما بعد عكا¡ هو سليل قبيلة بني معن العربية التي لجأت إلى جبل لبنان في عهد الفاطميين وإنصهرت فيه وأصبحت مع الوقت ركناً أساسياً من أركان الأمّة اللبنانية (الأمراء المعنيّون).
ليس صحيحاً ما يقوله بعض المؤرخين من ان الشعب اللبناني أتى من الجزيرة العربية أو من بلاد ما بين النهرين أو من أي مكان آخر وكأن بلادنا كانت فارغة من السكان وأتى من يملأ هذا الفراغ¡ بل الصحيح ان الشعب اللبناني موجود على هذه الرقعة الجغرافية ومتجذر فيها منذ أقدم العصور¡ وان الأبحاث الاركيولوجية أثبتت ان أول إنسان عاقل HOMO SAPIANS عاش على هذا الشاطىء بين الزهراني وانطلياس تعود آثاره إلى حوالي ۷٠٠ ألف سنة (مي مُرّ).
والصحيح أيضاً ان لبنان بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي كونه نقطة إلتقاء بين ثلاث قارات¡ تعرّض أكثر من غيره لعمليات تمازج وتلاقح بينه وبين مجموعاتٍ بشرية غريبة أتت إليه إما نتيجة فتوحات عسكرية بقيت رواسبها على أرضنا بعد جلائها¡ واما طلباً للإحتماء في جباله المنيعة هرباً من الإضطهاد كالطائفة الدرزية في عهد الفاطميين والطائفة الشيعية في عهد العبّاسيين¡ وإما حباً بمناخه المميّز وطبيعة أرضه الجميلة¡ ومع مرور الزمن تفاعلت هذه المجموعات الطارئة مع سكان لبنان الأصليين وإنصهرت بهم وأفرز هذا الإنصهار أمّةً واحدة أو قومية واحدة هي القومية اللبنانية.
اما عن الموارنة فقد ظل أهل جبل لبنان حتى بداية القرن الخامس يعتنقون الديانة الفينيقية القديمة في تكريم الآلهة: إيل وعشتروت والبعل¡ ويحتفلون كل سنة بقيامة أدونيس من الموت بعد ثلاثة أيام على مصرعه على يد خنزير برّي كما تقول الأسطورة¡ وكان نهر أدونيس محور تلك الإحتفالات¡ على عكس أهل الساحل اللبناني الذين إعتنقوا الديانة المسيحية منذ نشأتها... إلى ان جاء رهبان مار مارون من جبل قورُش هرباً من إضطهاد اليعاقبة¡ وسكنوا في جبّة بشرّي وناحية المنيطرة ـ العاقورة¡ وراحوا يبشرون بالمسيحية وينشرون تعاليمها بين الناس¡ وإشتهر من بينهم الراهب إبراهيم القورشي والتفّ حوله أهالي الجرد في بلاد جبيل وجوارها لكثرة حكمته وتقواه¡ وما ان إنتهى القرن الخامس حتى عمّت الديانة المسيحية معظم سكان الجبل¡ ولقّبوا موارنة تيمّناً بالقديس مارون¡ واستبدلوا إسم نهر أدونيس بنهر إبراهيم تيمّناً بالراهب إبراهيم القورشي.
حاشية: الرأس المريض
قلنا ان الأمّة مجموعة أفراد إنصهروا في بيئة جغرافية واحدة وشكلوا عِبرَ الأزمنة قومية واحدة. إذاً ما ينطبق على الفرد ينطبق أيضاً على المجموعة¡ وبما ان الفرد مكوّن من رأس وأطراف وكذلك الأمّة لها رأس وأطراف (مانويل يونس)¡ ورأس الأمّة أو دماغها هو بمثابة الذرّة المركزية التي تدير الأطراف وتحرّكها¡ فإذا كان الرأس سليماً تحركت الأطراف بشكل سليم ومتناغم¡ وإذا كان مريضاً أصبح الجسم كله مريضاً.
وفي هذا السياق يقول الدكتور يونس بان دماغ الأمّة الفرنسية موجود في مقاطعة إيل دو فرانس ILE DE FRANCE أي باريس وضواحيها التي تختزن تراث فرنسا وتاريخها¡ ودماغ إسبانيا موجود في مقاطعة كاستيليا CASTILLE¡ ودماغ الولايات المتحدة الأميركية موجود في مقاطعة ماساشوستس (بوسطن) MASSACHUSETTS... إلخ¡ بينما دماغ لبنان هو جبل لبنان الممتدّ من جزّين إلى الأرز¡ وعليه قيل عن غير وعي ربما: وحدة لبنان من وحدة الجبل¡ وقوة لبنان من قوة الجبل¡ اما مقولة مجد لبنان أعطيََ له فتعود إلى الدور التاريخي الرائد الذي لعبه بطاركة الموارنة في الحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله¡ وإلى التضحيات الهائلة التي قدّمها الموارنة على مذبح هذا البلد على مدى ١٥٠٠ سنة. ولو عرف الموارنة والدروز الذين يشكلون معاً دماغ هذه الأمّة أهمية موقعهم لما تصرّفوا على هذا النحو اللا مسؤول الذي نشاهده اليوم وعلى مدى الستين سنة الماضية على الأقل.
ان الضربات الأربع الموجعة لا بل القاتلة التي أصابت الدماغ اللبناني خلال الحرب الأخيرة وأدّت إلى انكفاء المقاومة اللبنانية وتحجيم دور المسيحيين¡ كانت كلها من صنع زعماء الموارنة¡ خصوصاً أولئك المدمنين على جهل التاريخ وشهوة السلطة والمال¡ لا من صنع أعدائهم¡ بدءاً بمجزرة إهدن التي وصفناها يومذاك في وسائل الإعلام بالشرخ في الرأس¡ مروراً بمجزرة الصفرا¡ وصولاً إلى حرب الجبل¡ وإنتهاءً بحرب الإلغاء التي ألغت كل شيء وقضت على ما تبقى من الرأس اللبناني... والأدهى من هذا كله ان الذين تسبّبوا بهذه الفواجع عادوا إلى السلطة ومركز القرار وعاد الشعب يهلل لهم وكأن شيئاً لم يكن!!!
خلاصة القول¡ لا حل لمشاكل لبنان إلا بشفاء الرأس من أدرانه¡ ويبقى السؤال: كيف ومتى¿¿¿.
الدرس الرابع: في اللغة والحرف
الشعب اللبناني يتكلم اليوم اللغة اللبنانية ـ ولا نقول لهجة ـ وهي ابنة اللغة السريانية وحفيدة اللغة الآرامية¡ ويستعمل اللغة العربية في الكتابة والخطابة¡ وقد آن الأوان كي نحرر أنفسنا من هذه الإزدواجية المربكة التي تعوق التطور¡ وان نعتمد لغتنا اللبنانية لغةً رسمية نطقاً وكتابةً أسوةً بدول العالم المتمدّن¡ فنوفر على أولادنا تعقيدات اللغة العربية وقواعدها المرهقة¡ سيما وان هذه الأخيرة قد هرمت ولم تعد تتماشى مع ثورة العِلم والتكنولوجيا الحديثة الواثبة بخطىً عملاقة¡ مهما حاولوا تطويرها.
والكل يعلم أن حروف الأبجدية الحديثة إختراع لبناني¡ وقد إعتمدتها غالبية شعوب العالم¡ بينما نحن تخلينا عنها لمصلحة الحروف العربية¡ وعليه لا بُدّ من العودة إلى الجذور وإستعمال الحروف اللبنانية التي صار إسمها زوراً الحروف اللاتينية¡ مع إجراء بعض التعديلات على بعض الحروف لكي تتلاءَم مع ألفاظ اللغات السامية كأحرف العين والحاء والهمزة والضاد والتاء... تبعاً للنموذج الذي وضعه سعيد عقل.
هذا مع الإشارة إلى ان أهل جبل لبنان ظلوا يتكلمون اللغة السريانية حتى منتصف القرن الثامن عشر قبل ان تتطوّر إلى اللغة اللبنانية المحكية حالياً¡ كما وان البلدات والقرى اللبنانية بغالبيّتها الساحقة تحمل أسماء آرامية ـ سريانية حتى اليوم.
الدرس الخامس: في بناء الجمهورية الثالثة
بعد ان فشلت جمهورية الإستقلال وجمهورية الطائف في بناء دولة قابلة للحياة¡ وبعد ان أصبح لبنان عالةً على نفسه وأهله وأصدقائه¡ وبعد ان بلغت هذه الدولة حدّها الأقصى من الإفلاس والفساد والإهتراء في كافة المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والإدارية... إلخ¡ ولم تعد تنفع معها عمليات التجميل والترقيع وحُقَن التخدير لحل مشاكلها المزمنة المتراكمة منذ عهد الإستقلال إلى اليوم¡ وبعد ان بلغ الشعب حدّه الأقصى من اليأس والقرف والإحباط... بعد هذا كله لا بُدّ من الدعوة¡ وقبل فوات الأوان¡ إلى تأسيس دولة جديدة بحلّة جديدة وعقلية جديدة¡ تواكب روح العصر وتحاكي آمال الشعب وتلبّي طموح الشباب¡ وتؤمّن مستقبل الأمة.
ولتحقيق هذا الحلم¡ والحلم واقع المستقبل¡ لا بُدّ من إعتماد برنامجٍ إصلاحي غير عادي يتولى تنفيذه رجال دولة لا رجال سياسة من الصنف الموجود حالياً¡ إذ ان رجال الدولة شعارهم السياسة فنّ المستحيل وهدفهم إيصال وطنهم إلى المجد والشهرة¡ بينما رجال السياسة شعارهم السياسة فنّ الممكن وهدفهم إيصال أنفسهم إلى الشهرة والمجد.
وهذا البرنامج يقوم على تحقيق الخطوات التالية:
١_ إزاحة السياسيين الحاليين أو معظمهم¡ عن الملعب السياسي بعد ان أوغلوا في الفساد وفشلوا في إدارة البلاد وأمعنوا في تخريبها. انه الشرط الأول والأهمّ لقيام الدولة الموعودة وإلا فعبثاً يبني البناؤون¡ وهذا يتطلب إما ثورة شعبية عارمة على غرار ثورة الأرز عام ٢٠٠٥ تنادي برحيلهم¡ أو إسقاطهم في أول إستحقاق إنتخابي مقبل.
٢_ إعلان حياد لبنان على الطريقة السويسرية¡ وفكّ إرتباطه بجميع المحاور الإقليمية بعد ان تقاطعت على أرضه كل صراعات المنطقة¡ والعمل لدى الأمم المتحدة لتكريس هذا الحياد وتحصينه دولياً.
٣_ فصل الدِّين عن الدولة بعد إقرار العلمانية الشاملة تمهيداً لإزالة روح التعصّب المذهبي والطائفي البغيض المتنامي يوماً عن يوم والبعيد عن أصالة اللبنانيين وتقاليدهم العريقة.
٤_ تنفيذ جميع القرارات الدولية المتعلقة بلبنان¡ وإزالة الدويلات غير الشرعية والجيوش الرديفة¡ وترسيم الحدود مع سوريا مع حفظ حق لبنان في إستعادة المناطق المسلوخة عنه والواقعة على طول سلسلة الجبال الشرقية.
٥_ العودة إلى إعتماد دستور العام ١٩٢٦ بعد ان أثبت دستور الطائف فشله الذريع¡ وحوّل الدولة إلى مِسخٍ من ثلاثة رؤوس¡ وساهم في تغذية التزمُّت الطائفي والمذهبي¡ مع تعديل واحد يقضي بفتح المجال أمام جميع الطوائف في الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية.
٦_ نزع سلاح المنظمات الفلسطينية خارج المخيمات وداخلها¡ وتطهير تلك المخيمات من المنظمات الإرهابية¡ والعمل الدؤوب عِبرَ ديبلوماسية لبنانية ناشطة على ترحيل اللاجئين الفلسطينيين إما إلى بلادهم وإما إلى بلاد أخرى قادرة على إستيعابهم.
۷_ صرف الفائض من موظفي الدولة مِمّن عينتهم الواسطة¡ والإبقاء على نخبةٍ تحدّدها الكفاءَة¡ وعصرنة الإدارات الرسمية بعد تطهيرها من الرشوة والفساد¡ وخصخصة الإدارات الخدماتية كالكهرباء والماء والهاتف والأشغال العامة وغيرها.
۸_ وقف عمليّات التجنس الجماعية¡ وسحب الجنسيّات التي مُنِحت لغير مستحقيها¡ وعدم منح الجنسية اللبنانية إلا لأفراد قدّموا للبنان خدماتٍ جلًى.
٩_ وقف عمليّات بيع الأراضي للغرباء¡ وإعادة النظر بالصفقات المشبوهة ولا سيّما تلك التي تمّت من العام ١٩٩٠ إلى اليوم عِبرَ شركات وهميّة.
١٠_ سحب تراخيص الأحزاب غير الموالية للبنان وتفكيك خلاياها الناشطة والنائمة¡ وملاحقة عناصرها.
١١_ تعزيز الرّيف للحَدّ من النمو غير الصحي للمدن الساحلية وذلك عن طريق:أولاً¡ نقل المعامل والمصانع وفروع الجامعات اللبنانية والأجنبية من بيروت والمدن إلى القرى والبلدات الريفية بدءاً من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مروراً بالبقاع وجزّين. ثانياً¡ إعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة¡ ثالثاً¡ تنفيذ المشروع الأخضرخلال فترة زمنية قصيرة. إنه التدبير الوحيد القادر على حَلّ أزمة السير الخانقة في العاصمة وباقي المدن¡ إضافةً إلى أزمة السكن وغيرها من المشاكل الإجتماعية الكثيرة.
١٢_ تعزيز القوّات المسلحة الشرعية بكل الإمكانيات التي تحتاج إليها لفرض سلطان القانون على الجميع وفي كل بقعة من بقاع لبنان¡ وبناء جيش عملاق يقف في وجه كل من تسول له نفسه التطاول على سيادة لبنان وكرامة اللبنانيين.
هذا البرنامج يشكّل برأينا الركائز الضرورية لتأسيس جمهورية حديثة تليق بأمتنا وتاريخنا وشهدائنا¡ وقادرة على إنهاض لبنان من سباته العميق¡ وإعادة الحياة إلى شرايينه والأمل إلى أجياله القادمة والمجد إلى شعبه العظيم... فيعود عندها إلى متابعة مسيرته الكونية القائمة على نشر السلام والمعرفة والحرّية في العالم.
لبَّـيك لبـنان
إتيان صقر (أبو أرز)
قبرص في ١٤ تشرين الثاني ٢٠٠٩.
علينا بادىء ذي بدء ان نؤمن بقوميتنا اللبنانية¡ أي بان الشعب اللبناني المُقيم منذ آلاف السنين على هذه الرقعة الجغرافية المسمّاة لبنان قد شكّل عِبر الأزمنة أمّةً واحدة كاملة الأوصاف والمعالم والخصائص¡ وغير قابلة للفرز أو التقسيم أو الذوبان في غيرها من الأمم.
والإيمان بالقومية اللبنانية يقودنا إلى الإعتراف بهوية لبنان اللبنانية الرافضة لأي نعوت خارجية غريبة عن أصالتها التاريخية. وهذا لا يعني أبداً الدعوة إلى التقوقع والإنعزال كما يعتقد البعض¡ بل الإنفتاح الإيجابي على جميع الشعوب المجاورة والبعيدة تبعاً لرسالة لبنان التاريخية¡ ولكن من ضمن الحفاظ على مصلحة لبنان العليا وقوميتنا الذاتية وهويتنا المميزة.
الدرس الثاني: في الجغرافية والتاريخ.
ان سلسلتي الجبال الغربية والشرقية الممتدتين بشكل متوازٍٍ من أقصى الشمال اللبناني إلى أقصى الجنوب ومن دون أي إنقطاع¡ قد فصلتا لبنان جغرافياً عن الصحراء¡ وحمتا ظهره من الغزوات الصحراوية المتتالية التي تعرّض لها عبر التاريخ (جواد بولس).
وإذا ما نظرنا إلى خريطة لبنان الديموغرافية نجد أن معظم القرى والبلدات اللبنانية قد إنتشرت منذ القِدَم على سفوح سلسلة الجبال الغربية المطلّة على البحر الأبيض المتوسط¡ ما يعني ان وجهة لبنان الطبيعية وواجهته هما هذا البحر الذي شكّل تاريخياً المدى الحيوي لشعبنا¡ وكان دائماً بمثابة الرئة التي يتنفّس منها الجسم اللبناني¡ ويعني أيضاً ان قرب المسافة بين الساحل والجبل خلق حلفاً بينهما شكّل الركيزة الأساسية التي قام عليها لبنان (جواد بولس). ويعني أيضاً وأيضاً ان الساحل قد وهب اللبنانيين روح المغامرة والإنفتاح وحُبّ الأسفار والبراعة في فنون التجارةº والجبل وهبهم روح الصلابة والمناعة والصمود. اما سكان البلدات والقرى المنتشرة في البقاع الواقع ما بين السلسلتين¡ فقد إستمدّوا من سهله الواسع والخصب روح الكَرَم والسخاء والتعلق بالأرض فاتقنوا فنون الزراعة على أنواعها حتى قيل ان سهل البقاع كان يغذي ذات يوم إهراءات روما بالقمح.
وعلى ضفاف البحر المتوسط بنى أجدادنا امبراطورية عظيمة دامت حوالي خمسماية سنة قامت على نشر السلام والعِلم والديمقراطية والتبادل التجاري وليس بحدّ السيف كسائر الإمبراطوريات¡ مِمّا يدل على ان الشعب اللبناني كان وما يزال صاحب رسالة حضارية يكره العنف ويأبى الحروب ولا يخوضها إلا مرغماً وفي حالات الدفاع عن النفس.
لقد وصلت سفن الإمبراطورية اللبنانية ـ الفينيقية إلى شواطىء أميركا الشمالية والجنوبية مروراً بافريقيا وأوروبا (أنطوان الخوري حرب ـ الإنتشار اللبناني)¡ ونقلت حضارتها إلى شعوب العالم وبخاصةٍ إلى شعوب البحر الأبيض المتوسط¡ وبالأخصّ إلى الشعب الإغريقي الذي نقلها في ما بعد إلى روما ومنها إلى عالم الغرب.
وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى حقيقتين: الأولى¡ ان الفضل الأول في ازدهار الحضارة اليونانية يعود إلى التلقيح الثقافي الذي تلقاه الشعب اليوناني على يد الفينيقيين. والثانية¡ ان غالبية عظماء تلك الحقبة أمثال بيتاغور وبورفيروس وموخوس واقليدس وطاليس وزينون وغيرهم هم من ذوي الأصول الفينيقية¡ منهم من ولد في لبنان أو عاش في ربوعه أو تعلم في معاهده¡ فلا بُدّ إذاً من تصحيح الخطأ الشائع القائل بانهم إغريق وبأن الحضارة الغربية أساسها إغريقية¡ وبالتالي العمل على إسترجاع تراثنا السائب والمسلوب منذ مئات السنين¡ ولدينا في هذا المجال القرائن الدامغة لإثبات هاتين الحقيقتين.
وبعد إنكفاء الإمبراطورية الفينيقية قامت إمبراطورية قرطاجة التي أسستها اليسّا أو اليسار ابنة ملك صور¡ فنَمَت وكبرت وتعاظم شأنها في ايام هملقار برقا وابنه هنيبعل الكبير¡ وامتدّت من شواطىء تونس الحالية إلى قرطاجنّة أو قرطاجة الحديثة CARTAGO NOVA (إسبانيا حالياً)¡ ومنها إنطلق هنيبعل إلى بلاد الغال (فرنسا) لمحاصرة روما بعد ان إجتاز جبال الألب... وقد اكملت هذه الإمبراطورية الرسالة التي بدأتها الإمبراطورية الأم وخاصةً في مجال التجارة والملاحة البحرية وعلوم الزراعة وفنون القتال التي ما تزال تدرّس حتى اليوم في أرقى المعاهد الحربية (جورج مصروعة). وإذا كانت قرطاجة (تونس) ابنة صور¡ فقرطاجنّة (إسبانيا) هي حفيدتها¡ وإذا ما سألت أهل مدينة فالنسيا الإسبانية الواقعة على شاطىء البحر المتوسط مباشرةً قبالة الشاطىء اللبناني عن أصلهم يجيبُك العارفون منهم: نحن فنيقيون¡ من دون ان ننسى مدينة قرطاجنة CARTAGENA الحالية الواقعة على الشاطىء نفسه.
الدرس الثالث: في تكوين الأمة اللبنانية
نبدأ بالقول ان الإنسان هو ابن الأرض¡ أي ابن البيئة الجغرافية التي يعيش عليها وعاش عليها من قبله آباؤه وأجداده¡ وان طبيعة الأرض لها التأثير الأكبر على طبيعة الإنسان وطبائعه. فالإنسان اللبناني هو غير الإنسان الإفريقي أو الصيني أو السكندنافي أو الصحراوي¡ ويختلف عنهم بشكله وطبعه وتقاليده وعاداته...
وكل شعب يعيش في بيئة جغرافية معيّنة يكوّن مع الوقت قوميته الخاصة وتاريخه الخاص مع كل ما يحويه هذا التاريخ من تراث وعادات وتقاليد وخصائص تميّزه عن غيره من الشعوب¡ وتبعاً لهذا الواقع يقول جواد بولس: التاريخ ابن الجغرافية.
غير ان هذا الواقع لا يعني ان ثمّة أمّة صافية العِرق على وجه الأرض¡ إذ ان الحروب والفتوحات والغزوات والنزوحات البشرية من دولةٍ إلى أخرى لم تبقِ على أعراق صافية بل أضافت إلى الشعوب الأصلية مجموعاتٍ أخرى إمتزجت مع الوقت بعضها مع بعض وتفاعلت وإنصهرت ضمن بوتقة جغرافية واحدة¡ وشكّلت في نهاية المطاف قومية واحدة وتاريخاً مشتركاً واحداً. والدليل الساطع على هذا هو الأمّة الأميركية التي نشأت حديثاً في الولايات المتحدة الأميركية بفعل المزيج الذي حصل بين شعوب متنوعة الأصول والأعراق انصهرت في ما بينها وكوّنت خلال أقل من ثلاثماية سنة أمّةً عظيمة تمثل النموذج الحديث لنشوء الأمم¡ وهذا النموذج يثبت أيضاً ان التلاقح بين الشعوب الغريبة هو مصدر غنى حضاري للأمم عكس ما يعتقد البعض.
ولكي لا نذهب بعيداً نقول بان الأمير فخر الدين الثاني الكبير الذي أسس دولة لبنان الحديث ومدّ سلطانها من حلب إلى ما بعد عكا¡ هو سليل قبيلة بني معن العربية التي لجأت إلى جبل لبنان في عهد الفاطميين وإنصهرت فيه وأصبحت مع الوقت ركناً أساسياً من أركان الأمّة اللبنانية (الأمراء المعنيّون).
ليس صحيحاً ما يقوله بعض المؤرخين من ان الشعب اللبناني أتى من الجزيرة العربية أو من بلاد ما بين النهرين أو من أي مكان آخر وكأن بلادنا كانت فارغة من السكان وأتى من يملأ هذا الفراغ¡ بل الصحيح ان الشعب اللبناني موجود على هذه الرقعة الجغرافية ومتجذر فيها منذ أقدم العصور¡ وان الأبحاث الاركيولوجية أثبتت ان أول إنسان عاقل HOMO SAPIANS عاش على هذا الشاطىء بين الزهراني وانطلياس تعود آثاره إلى حوالي ۷٠٠ ألف سنة (مي مُرّ).
والصحيح أيضاً ان لبنان بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي كونه نقطة إلتقاء بين ثلاث قارات¡ تعرّض أكثر من غيره لعمليات تمازج وتلاقح بينه وبين مجموعاتٍ بشرية غريبة أتت إليه إما نتيجة فتوحات عسكرية بقيت رواسبها على أرضنا بعد جلائها¡ واما طلباً للإحتماء في جباله المنيعة هرباً من الإضطهاد كالطائفة الدرزية في عهد الفاطميين والطائفة الشيعية في عهد العبّاسيين¡ وإما حباً بمناخه المميّز وطبيعة أرضه الجميلة¡ ومع مرور الزمن تفاعلت هذه المجموعات الطارئة مع سكان لبنان الأصليين وإنصهرت بهم وأفرز هذا الإنصهار أمّةً واحدة أو قومية واحدة هي القومية اللبنانية.
اما عن الموارنة فقد ظل أهل جبل لبنان حتى بداية القرن الخامس يعتنقون الديانة الفينيقية القديمة في تكريم الآلهة: إيل وعشتروت والبعل¡ ويحتفلون كل سنة بقيامة أدونيس من الموت بعد ثلاثة أيام على مصرعه على يد خنزير برّي كما تقول الأسطورة¡ وكان نهر أدونيس محور تلك الإحتفالات¡ على عكس أهل الساحل اللبناني الذين إعتنقوا الديانة المسيحية منذ نشأتها... إلى ان جاء رهبان مار مارون من جبل قورُش هرباً من إضطهاد اليعاقبة¡ وسكنوا في جبّة بشرّي وناحية المنيطرة ـ العاقورة¡ وراحوا يبشرون بالمسيحية وينشرون تعاليمها بين الناس¡ وإشتهر من بينهم الراهب إبراهيم القورشي والتفّ حوله أهالي الجرد في بلاد جبيل وجوارها لكثرة حكمته وتقواه¡ وما ان إنتهى القرن الخامس حتى عمّت الديانة المسيحية معظم سكان الجبل¡ ولقّبوا موارنة تيمّناً بالقديس مارون¡ واستبدلوا إسم نهر أدونيس بنهر إبراهيم تيمّناً بالراهب إبراهيم القورشي.
حاشية: الرأس المريض
قلنا ان الأمّة مجموعة أفراد إنصهروا في بيئة جغرافية واحدة وشكلوا عِبرَ الأزمنة قومية واحدة. إذاً ما ينطبق على الفرد ينطبق أيضاً على المجموعة¡ وبما ان الفرد مكوّن من رأس وأطراف وكذلك الأمّة لها رأس وأطراف (مانويل يونس)¡ ورأس الأمّة أو دماغها هو بمثابة الذرّة المركزية التي تدير الأطراف وتحرّكها¡ فإذا كان الرأس سليماً تحركت الأطراف بشكل سليم ومتناغم¡ وإذا كان مريضاً أصبح الجسم كله مريضاً.
وفي هذا السياق يقول الدكتور يونس بان دماغ الأمّة الفرنسية موجود في مقاطعة إيل دو فرانس ILE DE FRANCE أي باريس وضواحيها التي تختزن تراث فرنسا وتاريخها¡ ودماغ إسبانيا موجود في مقاطعة كاستيليا CASTILLE¡ ودماغ الولايات المتحدة الأميركية موجود في مقاطعة ماساشوستس (بوسطن) MASSACHUSETTS... إلخ¡ بينما دماغ لبنان هو جبل لبنان الممتدّ من جزّين إلى الأرز¡ وعليه قيل عن غير وعي ربما: وحدة لبنان من وحدة الجبل¡ وقوة لبنان من قوة الجبل¡ اما مقولة مجد لبنان أعطيََ له فتعود إلى الدور التاريخي الرائد الذي لعبه بطاركة الموارنة في الحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله¡ وإلى التضحيات الهائلة التي قدّمها الموارنة على مذبح هذا البلد على مدى ١٥٠٠ سنة. ولو عرف الموارنة والدروز الذين يشكلون معاً دماغ هذه الأمّة أهمية موقعهم لما تصرّفوا على هذا النحو اللا مسؤول الذي نشاهده اليوم وعلى مدى الستين سنة الماضية على الأقل.
ان الضربات الأربع الموجعة لا بل القاتلة التي أصابت الدماغ اللبناني خلال الحرب الأخيرة وأدّت إلى انكفاء المقاومة اللبنانية وتحجيم دور المسيحيين¡ كانت كلها من صنع زعماء الموارنة¡ خصوصاً أولئك المدمنين على جهل التاريخ وشهوة السلطة والمال¡ لا من صنع أعدائهم¡ بدءاً بمجزرة إهدن التي وصفناها يومذاك في وسائل الإعلام بالشرخ في الرأس¡ مروراً بمجزرة الصفرا¡ وصولاً إلى حرب الجبل¡ وإنتهاءً بحرب الإلغاء التي ألغت كل شيء وقضت على ما تبقى من الرأس اللبناني... والأدهى من هذا كله ان الذين تسبّبوا بهذه الفواجع عادوا إلى السلطة ومركز القرار وعاد الشعب يهلل لهم وكأن شيئاً لم يكن!!!
خلاصة القول¡ لا حل لمشاكل لبنان إلا بشفاء الرأس من أدرانه¡ ويبقى السؤال: كيف ومتى¿¿¿.
الدرس الرابع: في اللغة والحرف
الشعب اللبناني يتكلم اليوم اللغة اللبنانية ـ ولا نقول لهجة ـ وهي ابنة اللغة السريانية وحفيدة اللغة الآرامية¡ ويستعمل اللغة العربية في الكتابة والخطابة¡ وقد آن الأوان كي نحرر أنفسنا من هذه الإزدواجية المربكة التي تعوق التطور¡ وان نعتمد لغتنا اللبنانية لغةً رسمية نطقاً وكتابةً أسوةً بدول العالم المتمدّن¡ فنوفر على أولادنا تعقيدات اللغة العربية وقواعدها المرهقة¡ سيما وان هذه الأخيرة قد هرمت ولم تعد تتماشى مع ثورة العِلم والتكنولوجيا الحديثة الواثبة بخطىً عملاقة¡ مهما حاولوا تطويرها.
والكل يعلم أن حروف الأبجدية الحديثة إختراع لبناني¡ وقد إعتمدتها غالبية شعوب العالم¡ بينما نحن تخلينا عنها لمصلحة الحروف العربية¡ وعليه لا بُدّ من العودة إلى الجذور وإستعمال الحروف اللبنانية التي صار إسمها زوراً الحروف اللاتينية¡ مع إجراء بعض التعديلات على بعض الحروف لكي تتلاءَم مع ألفاظ اللغات السامية كأحرف العين والحاء والهمزة والضاد والتاء... تبعاً للنموذج الذي وضعه سعيد عقل.
هذا مع الإشارة إلى ان أهل جبل لبنان ظلوا يتكلمون اللغة السريانية حتى منتصف القرن الثامن عشر قبل ان تتطوّر إلى اللغة اللبنانية المحكية حالياً¡ كما وان البلدات والقرى اللبنانية بغالبيّتها الساحقة تحمل أسماء آرامية ـ سريانية حتى اليوم.
الدرس الخامس: في بناء الجمهورية الثالثة
بعد ان فشلت جمهورية الإستقلال وجمهورية الطائف في بناء دولة قابلة للحياة¡ وبعد ان أصبح لبنان عالةً على نفسه وأهله وأصدقائه¡ وبعد ان بلغت هذه الدولة حدّها الأقصى من الإفلاس والفساد والإهتراء في كافة المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والإدارية... إلخ¡ ولم تعد تنفع معها عمليات التجميل والترقيع وحُقَن التخدير لحل مشاكلها المزمنة المتراكمة منذ عهد الإستقلال إلى اليوم¡ وبعد ان بلغ الشعب حدّه الأقصى من اليأس والقرف والإحباط... بعد هذا كله لا بُدّ من الدعوة¡ وقبل فوات الأوان¡ إلى تأسيس دولة جديدة بحلّة جديدة وعقلية جديدة¡ تواكب روح العصر وتحاكي آمال الشعب وتلبّي طموح الشباب¡ وتؤمّن مستقبل الأمة.
ولتحقيق هذا الحلم¡ والحلم واقع المستقبل¡ لا بُدّ من إعتماد برنامجٍ إصلاحي غير عادي يتولى تنفيذه رجال دولة لا رجال سياسة من الصنف الموجود حالياً¡ إذ ان رجال الدولة شعارهم السياسة فنّ المستحيل وهدفهم إيصال وطنهم إلى المجد والشهرة¡ بينما رجال السياسة شعارهم السياسة فنّ الممكن وهدفهم إيصال أنفسهم إلى الشهرة والمجد.
وهذا البرنامج يقوم على تحقيق الخطوات التالية:
١_ إزاحة السياسيين الحاليين أو معظمهم¡ عن الملعب السياسي بعد ان أوغلوا في الفساد وفشلوا في إدارة البلاد وأمعنوا في تخريبها. انه الشرط الأول والأهمّ لقيام الدولة الموعودة وإلا فعبثاً يبني البناؤون¡ وهذا يتطلب إما ثورة شعبية عارمة على غرار ثورة الأرز عام ٢٠٠٥ تنادي برحيلهم¡ أو إسقاطهم في أول إستحقاق إنتخابي مقبل.
٢_ إعلان حياد لبنان على الطريقة السويسرية¡ وفكّ إرتباطه بجميع المحاور الإقليمية بعد ان تقاطعت على أرضه كل صراعات المنطقة¡ والعمل لدى الأمم المتحدة لتكريس هذا الحياد وتحصينه دولياً.
٣_ فصل الدِّين عن الدولة بعد إقرار العلمانية الشاملة تمهيداً لإزالة روح التعصّب المذهبي والطائفي البغيض المتنامي يوماً عن يوم والبعيد عن أصالة اللبنانيين وتقاليدهم العريقة.
٤_ تنفيذ جميع القرارات الدولية المتعلقة بلبنان¡ وإزالة الدويلات غير الشرعية والجيوش الرديفة¡ وترسيم الحدود مع سوريا مع حفظ حق لبنان في إستعادة المناطق المسلوخة عنه والواقعة على طول سلسلة الجبال الشرقية.
٥_ العودة إلى إعتماد دستور العام ١٩٢٦ بعد ان أثبت دستور الطائف فشله الذريع¡ وحوّل الدولة إلى مِسخٍ من ثلاثة رؤوس¡ وساهم في تغذية التزمُّت الطائفي والمذهبي¡ مع تعديل واحد يقضي بفتح المجال أمام جميع الطوائف في الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية.
٦_ نزع سلاح المنظمات الفلسطينية خارج المخيمات وداخلها¡ وتطهير تلك المخيمات من المنظمات الإرهابية¡ والعمل الدؤوب عِبرَ ديبلوماسية لبنانية ناشطة على ترحيل اللاجئين الفلسطينيين إما إلى بلادهم وإما إلى بلاد أخرى قادرة على إستيعابهم.
۷_ صرف الفائض من موظفي الدولة مِمّن عينتهم الواسطة¡ والإبقاء على نخبةٍ تحدّدها الكفاءَة¡ وعصرنة الإدارات الرسمية بعد تطهيرها من الرشوة والفساد¡ وخصخصة الإدارات الخدماتية كالكهرباء والماء والهاتف والأشغال العامة وغيرها.
۸_ وقف عمليّات التجنس الجماعية¡ وسحب الجنسيّات التي مُنِحت لغير مستحقيها¡ وعدم منح الجنسية اللبنانية إلا لأفراد قدّموا للبنان خدماتٍ جلًى.
٩_ وقف عمليّات بيع الأراضي للغرباء¡ وإعادة النظر بالصفقات المشبوهة ولا سيّما تلك التي تمّت من العام ١٩٩٠ إلى اليوم عِبرَ شركات وهميّة.
١٠_ سحب تراخيص الأحزاب غير الموالية للبنان وتفكيك خلاياها الناشطة والنائمة¡ وملاحقة عناصرها.
١١_ تعزيز الرّيف للحَدّ من النمو غير الصحي للمدن الساحلية وذلك عن طريق:أولاً¡ نقل المعامل والمصانع وفروع الجامعات اللبنانية والأجنبية من بيروت والمدن إلى القرى والبلدات الريفية بدءاً من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مروراً بالبقاع وجزّين. ثانياً¡ إعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة¡ ثالثاً¡ تنفيذ المشروع الأخضرخلال فترة زمنية قصيرة. إنه التدبير الوحيد القادر على حَلّ أزمة السير الخانقة في العاصمة وباقي المدن¡ إضافةً إلى أزمة السكن وغيرها من المشاكل الإجتماعية الكثيرة.
١٢_ تعزيز القوّات المسلحة الشرعية بكل الإمكانيات التي تحتاج إليها لفرض سلطان القانون على الجميع وفي كل بقعة من بقاع لبنان¡ وبناء جيش عملاق يقف في وجه كل من تسول له نفسه التطاول على سيادة لبنان وكرامة اللبنانيين.
هذا البرنامج يشكّل برأينا الركائز الضرورية لتأسيس جمهورية حديثة تليق بأمتنا وتاريخنا وشهدائنا¡ وقادرة على إنهاض لبنان من سباته العميق¡ وإعادة الحياة إلى شرايينه والأمل إلى أجياله القادمة والمجد إلى شعبه العظيم... فيعود عندها إلى متابعة مسيرته الكونية القائمة على نشر السلام والمعرفة والحرّية في العالم.
لبَّـيك لبـنان
إتيان صقر (أبو أرز)
قبرص في ١٤ تشرين الثاني ٢٠٠٩.
Posted on 06 Dec 2009 by Administration



